فصل: (مسألة:خطبة منى يوم النحر)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان في مذهب الإمام الشافعي



.[فرع: تلبيد الشعر يوجب حلقه]

قال المسعودي [في "الإبانة" ق \ 207] إذا لبد شعر رأسه.. فهل يكون كمن نذر حلقه فيلزمه حلقه؟ فيه قولان، كما لو قلد الهدي وأشعره.. فهل يلزما نحره؟ فيه قولان، وكما لو وجد هديا مذبوحا مشعرا.. فهل يحل له تناوله؟ فيه قولان.

.[فرع: الحلق نسك وحكم تقديم نسك على آخر]

وهل الحلاق نسك يجب عليه فعله ويثاب على فعله، أو استباحة محظور؟ فيه قولان:
أحدهما: أنه نسك يثاب على فعله، ويحصل التحلل به، وهو قول مالك وأبي حنيفة، وهو الصحيح؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: 27].
فأثنى الله تعالى على المتنسكين بالحلق والتقصير، فدل على: أنه نسك، إذ لا يستحق الثناء إلا بما يثاب على فعله، ولقول النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رحم الله المحلقين " قالوا: يا رسول الله والمقصرين، فقال: «رحم الله المحلقين " إلى أن قال في الرابعة: «والمقصرين»، فلولا أنه نسك.. لما دعا للمحلقين، ولما فاضل بينهما.
والثاني: أنه استباحة محظور؛ لأن ما كان محرما بالإحرام لا يكون نسكا، كالطيب واللباس.
إذا ثبت هذا: فإن حلق قبل أن يذبح.. جاز، وإن ذبح قبل أن يرمي.. جاز، وإن حلق قبل أن يرمي، فإن قلنا: إن الحلاق نسك.. جاز. وإن قلنا إنه استباحة محظور.. لم يجز. هذا مذهبنا.
وقال أبو حنيفة: (إذا قدم الحلاق على الذبح.. لزمه دم إن كان قارنا أو متمتعا، ولا شيء عليه إن كان مفردا).
وقال مالك: (إذا قدم الحلق على الذبح.. فلا شيء عليه، وإن قدمه على الرمي.. وجب عليه الدم).
وقال أحمد: (إذا قدم الحلاق على الذبح أو الرمي، فإن كان ناسيا أو جاهلا فلا شيء عليه، وإن كان عامدا.. ففي وجوب الدم عليه روايتان).
دليلنا: ما روي عن ابن عباس: أنه قال: «جاء رجل إلى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بمنى يوم النحر، فقال له: زرت قبل أن أرمي، فقال له: «ارم، ولا حرج»، فقال له آخر: حلقت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج»، فقال له آخر: ذبحت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج».
«وروى عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقف بمنى يوم النحر للناس؛ ليسألوه، فأتاه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى حلقت قبل أن أنحر، فقال: «انحر، ولا حرج»، وجاءه آخر، فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى نحرت قبل أن أرمي، فقال: «ارم، ولا حرج ". قال عبد الله: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر.. إلا قال: «افعل، ولا حرج».

.[مسألة:خطبة منى يوم النحر]

قال الشافعي: (ويخطب الإمام بعد الظهر بمنى يوم النحر).
وهذا كما قال: يستحب للإمام أن يخطب بمنى يوم النحر بعد الظهر، ويعلم الناس ما يحتاجون إليه من الرمي والذبح والحلق والطواف والبيتوتة بمنى ليالي منى، وأن من أراد أن يتعجل في يومين.. فله ذلك، وغير ذلك مما يحتاج إليه. وهذه الخطبة الثالثة من الخطب الأربع المسنونات في الحج.
وقال أبو حنيفة: (لا تستحب هذه الخطبة).
دليلنا: ما روى الهرماس بن زياد الباهلي قال: «رأيت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يوم النحر بمنى يخطب على ناقته العضباء».
وروي «عن ابن عباس قال: خطب رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بنا بمنى يوم النحر على ناقته، بعد رميه الجمرة، فقال في خطبته: «إن هذا يوم الحج الأكبر».
ولأن في الناس عالما وجاهلا، وبهم حاجة إلى أن يعرفهم ما يفعلون في يومهم وما بعده من المناسك، فاستحبت الخطبة لأجل ذلك.

.[مسألة:طواف الإفاضة أو الزيارة]

وإذا رمى ونحر وحلق.. فإنه يفيض إلى مكة ويطوف بالبيت، وهذا الطواف يسمى: طواف الإفاضة؛ لأنه يفيض من منى إلى مكة، ويسمى: طواف الزيارة؛ لأنه يزور البيت بعد أن فارقه ويعود إلى منى، ويسمى: طواف الفرض؛ لكونه ركنا.
قال القاضي أبو الطيب: ومن الناس من يسميه طواف الصدر، وليس بشيء؛ لأن طواف الصدر إنما هو طواف الوداع.
والدليل ـ على ما ذكرناه ـ: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لما رمى جمرة العقبة، وذبح، وحلق.. ركب وطاف بالبيت» وهذا الطواف ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} [الحج: 29].
وروي: «أنه قيل له: يا رسول الله إن صفية بنت حيي حاضت، فقال ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «عقرى حلقى، أحابستنا هي؟» فقيل: إنها قد أفاضت، فقال: «فلا إذن» فدل على: أن هذا الطواف لا بد منه. ومعنى قوله: ««عقرى حلقى» " أي: عقرها الله وحلقها، أي: أصابها العقر في حلقها.
وأول وقت هذا الطواف: إذا انتصف الليل من ليلة النحر، ولم ينص الشافعي عليه.
قال أصحابنا: ولكنه مقيس على الدفع من المزدلفة. وليس لآخره حد ـ عندنا ـ غير أن المستحب: أن يطوف يوم النحر؛ لـ: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طاف يوم النحر».
وقال أبو حنيفة: (أول وقته: إذا طلع الفجر الثاني يوم النحر، وآخره: اليوم الثاني من أيام التشريق، فإن أخره إلى اليوم الثالث.. وجب عليه دم).
دليلنا: ما روي: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أرسل أم سلمة يوم الفجر فرمت قبل الفجر، ثم أفاضت» ولأنه إذا طاف في اليوم الثالث.. فقد طاف طوافا صحيحا، فلم يجب عليه به دم، كما لو طاف في اليوم الثاني.

.[فرع: تغيير النية من الزيارة إلى الوداع]

وإذا لم يطف للزيارة وطاف للوداع.. فذكر الشيخ أبو حامد، وابن الصباغ، وغيرهما من أصحابنا: أنه يقع عن طواف الزيارة.
وقال أحمد: (لا يقع عنه طواف الزيارة، وإنما يقع عما عينه).
دليلنا: أنه ركن من أركان الحج، فلم يفتقر إلى تعيين النية كالإحرام. وهذا من قولهم يدل على: أن الطواف لا يفتقر إلى تعيين النية وجها واحدا، وإنما الوجهان: في أنه هل يجب عليه القصد إلى الطواف؟ وقد مضى توجيههما.

.[مسألة:حل محظورات الإحرام]

وإذا رمى وحلق وطاف وسعى.. حل له جميع ما حظر عليه في الإحرام، وهو تسعة أشياء: الطيب، واللباس، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقتل الصيد، واللمس بشهوة، والوطء فيما دون الفرج، والوطء في الفرج، وعقد النكاح.
ولا يحرم عليه شيء من ذلك لأجل ما بقي عليه من رمي أيام التشريق؛ لأن للحج تحللين، فإذا أتى بهذه الأشياء.. فقد تحلل التحللين جميعا.
وأما التحلل الأول: فإن كان قد قدم السعي بعد طواف القدوم:
فإن قلنا: إن الحلاق نسك.. فإن التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: إما رمي وحلاق، أو طواف وحلاق، أو طواف ورمي. ويحصل له التحلل الثاني بفعل الثالث منها، هذا هو المشهور.
وقال القاضي أبو حامد المروروذي في " الجامع ": يحصل له التحلل الأول على هذا القول بالرمي وحده؛ لأن الشافعي نص في المنسكين: «الأوسط " و " الصغير " على: (أنه يتحلل بالرمي). وفي هذين الكتابين: (الحلاق نسك).
وإن قلنا: إن الحلاق ليس بنسك.. حصل له التحلل الأول، إما بالرمي أو بالطواف، وحصل له التحلل الثاني بالثاني.
وقال أبو سعيد الإصطخري: إذا دخل وقت الرمي.. حصل له التحلل الأول وإن لم يرم، كما إذا فاته وقت الرمي.. فإنه يحصل له التحلل. وهذا ليس بشيء؛ لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا رميتم وحلقتم.. فقد حل لكم كل شيء إلا النساء» فعلقه بفعل الرمي لا بدخول وقته.
إذا ثبت هذا: فإن بالتحلل الأول.. يحل له اللباس والحلق وتقليم الأظفار قولا واحدا، ولا يحل له الوطء، في الفرج قولا واحدا. وفي عقد النكاح، واللمس بشهوة، والوطء، فيما دون الفرج، وقتل الصيد.. قولان:
الأول: قال في القديم: (لا يحل له)؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 95]، وهذا محرم. ولقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح»
وهذا محرم، ولأن اللمس والقبلة بشهوة من دواعي الجماع، فإذا كان الجماع محرما.. كانت دواعيه محرمة.
والثاني: قال في الجديد: (يحل له هذه الأشياء) وهو الصحيح؛ لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا رميتم وحلقتم.... فقد حل لكم كل شيء إلا النساء». وأما الطيب: ففيه طريقان:
الأول: من أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأنه من دواعي الجماع، فكان كاللمس..
والثاني: منهم من قال: يحل بالتحلل الأول قولا واحدا كاللباس ـ وهو المنصوص ـ لما روي عن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: أنها قالت: «طيبت رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت».
وإن كان قد أخر السعي إلى ما بعد طواف الزيارة.. فإن التحلل يقف عليه؛ لأنه ركن كالطواف.

.[فرع: التحلل من العمرة]

وأما العمرة: فليس لها إلا تحلل واحد.
فإن قلنا: إن الحلق نسك.. لم يحصل التحلل منها إلا بالطواف والسعي والحلاق.
وإن قلنا: إن الحلق ليس بنسك.. حصل له التحلل منها بالطواف والسعي.

.[مسألة:الرمي في أيام التشريق]

فإذا فرغ من طواف الزيارة.. رجع إلى منى وأقام بها ثلاثة أيام بعد يوم النحر ـ وهذه الأيام تسمى: أيام الرمي، والأيام المعدودات، وأيام التشريق. فيرمي كل يوم الجمار الثلاث، كل جمرة بسبع حصيات، ويأخذ لها الحصى من أي موضع شاء، إلا من الموضع النجس، والمسجد، والجمار.
فيأتي الجمرة الأولى ـ وهي التي تلي مسجد الخيف ـ فيرميها بسبع حصيات، واحدة بعد واحدة، يكبر مع كل حصاة. فإذا فرغ من رميها.. تقدم عنها وجعلها على يساره، ووقف بحيث لا يناله الحصى، يدعو الله تعالى بقدر قراءة سورة البقرة. ثم يأتي الجمرة الوسطى فيجعلها على يمينه، ويستقبل القبلة ويرميها بسبع حصيات كالأولى، ثم يتجاوزها إلى الثالثة، ويولي ظهره إلى التي رماها، ويستقبل القبلة، ويدعو ويتضرع بقدر قراءة سورة البقرة. ثم يتقدم إلى الجمرة الثالثة، وهي جمرة العقبة فيجعلها على يمينه ويستقبل الكعبة ويرميها بسبع حصيات، وينصرف ولا يقف عندها: لما روت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -: «أن النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أفاض يوم النحر بعد الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمار إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة ولا يقف عندها» وإنما وقف عند الأولى والثانية ولم يقف عند الثالثة؛ لاتساع المكان عند الأوليين، وضيقه عند الثالثة.
ويستحب له أن يرفع اليدين في الدعاء عند الجمرتين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر.
وقال مالك: (لا يرفع).
دليلنا: ما روي: «أن رسول ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يرفع يديه لذلك».
وإن ترك الدعاء عند الجمرتين.. فلا شيء عليه.
وقال الثوري: يطعم شيئا، وإن أراق دما.. كان أحب إلي.
دليلنا: أنه موقف يستحب فيه الدعاء، فلم يجب بتركه شيء كالدعاء بعرفة.
ولا يجوز الرمي في هذه الجمار إلا مرتبا: يبدأ بالأولى، ثم بالثانية، ثم بجمرة العقبة، وبه قال أحمد ابن حنبل.
وقال أبو حنيفة: (إذا رمى منكسا.. أعاد، فإن لم يفعل.. أجزأه، ولا شيء عليه).
دليلنا: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رماها مرتبا، وقال: «خذوا عني مناسككم»، ولأنه نسك يتكرر، فكان الترتيب فيه شرطا كالسعي.
إذا ثبت هذا: فإن رمى الجمار الثلاث مرتبا ونسي حصاة، ولم يعلم من أي الجمار تركها.. قال الشافعي: (جعلها من الأولى فيرميها بحصاة، ثم يرمي الثانية، والثالثة؛ ليسقط الفرض بيقين).

.[فرع: الرمي بعد الزوال]

ولا يجوز الرمي في هذه الأيام الثلاثة إلا بعد الزوال.
وقال عطاء: إن جهل فرمى قبل الزوال.. أجزأه.
وقال طاووس: إن شاء.. رمى أول النهار ونفر.
وقال عكرمة: إن شاء.. رمى أول النهار، ولكن لا ينفر إلا بعد الزوال.
وقال أبو حنيفة: (يجوز أن يرمي في اليوم الثالث قبل الزوال استحبابا)، وحكي عنه أيضا: أنه قال: (يجوز أن يرمي في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أيضا)
والمشهور عنه هو الأول.
دليلنا: ما روى جابر: «أن النبي ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رمى جمرة العقبة يوم النحر ضحى، ورمى سائر الأيام بعد ما زالت الشمس».
إذا ثبت هذا: فإن الشافعي قال في " الإملاء ": (يرمي عقيب الزوال قبل الصلاة)؛ لأن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قالت: «رمى رسول الله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين زالت الشيء» ويرمي في اليوم الأخير راكبا، وفي اليومين الأولين ماشيا، لأن في اليوم الأخير يتعقب الرمي النفر، فإذا كان راكبا.. مضى عقيب الرمي، كما يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبا؛ لأنه يوافي من المزدلفة راكبا، وفي اليومين الأولين هو مقيم بمنى، فلم يسن له الركوب.

.[فرع: ما يجب بترك]

الرمي والتعريف بيومي القر والنفر الرمي والتعريف بيومي القر والنفرإذا ترك رمي اليوم الثالث من أيام التشريق.. سقط الرمي ولم يقض؛ لأنه فات أيام الرمي، والمشهور: أنه يجب عليه دم؛ لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك نسكا.. فعليه دم»
وحكى أبو إسحاق المروزي في " الشرح ": أن الشافعي قال في موضع من
" الإملاء ": (إن ترك رمي يوم... فعليه مد وإن ترك رمي يومين.. فعليه مدان، وإن ترك رمي ثلاثة.. فعليه دم).
فعلى هذا: يجب في الحصاة مد إلى رمي يوم.
قال: وحكي: أنه يجب درهم في اليوم، أو ثلث دم، وهذا كله ليس بشيء.
وإن ترك رمي اليوم الأول إلى الثاني، أو ترك رمي اليوم الثاني إلى الثالث.. ففيه قولان:
أحدهما ـ وهو قوله في " الإملاء " ـ: (أن رمي كل يوم مؤقت بيومه)؛ لأنه رمي يوم من أيام التشريق، فكان محدودا بيومه، كاليوم الثالث. ولأنه لو كان غير محدود.. لجاز تأخير رمي اليوم الأول إلى الثاني.
والقول الثاني ـ وهو الأصح المشهور ـ: أن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد، ولا يفوت رمي يوم منها إلا بخروج الأيام الثلاثة؛ لأنه يجوز لرعاء الإبل تأخير رمي يوم إلى ما بعده منها، فلو لم تكن الأيام الثلاثة كاليوم الواحد.. لما جاز لهم ذلك، بخلاف اليوم الأخير؛ لأنه إذا خرج.. فقد فات وقت الرمي.
إذا ثبت هذا: فترك رمي يوم القر ـ وهو اليوم الأول من أيام التشريق ـ حتى غابت الشمس ـ وسمي يوم القر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى ـ فإن قلنا بالصحيح: وأن الأيام الثلاثة كاليوم.. فهل له أن يرمي عن اليوم الأول ليلة النفر، أو في يوم النفر ـ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق ـ قبل الزوال؟ فيه وجهان، حكاهما في "الإبانة" [ق\209]:
أحدهما: ليس له ذلك، حتى تزول الشمس في يوم النفر؛ لأن ذلك وقت للرمي.
والثاني ـ وهو قول الشيخ أبي حامد ـ: أن له أن يرميه؛ لأن ذلك أقرب إلى وقته
المستحب، فيجعل ليلة النفر تبعا ليوم القر، كليلة يوم النحر تبع ليوم عرفة في الوقوف.
وإن لم يرم ليوم القر حتى زالت الشمس في يوم النفر.. فقد تدارك عليه رمي يومين، فإن رمى الجمار الثلاث مرتبا عن اليوم الأول، ثم رماها مرتبا عن اليوم الثاني.. أجزأه. وإن نوى بالرمي الأول عن اليوم الثاني.. فقد ذكر الشيخ أبو حامد وابن الصباغ: أنه يقع عن رمى اليوم الأول. وذكر في "المهذب" وجهين:
أحدهما: هذا.
والثاني: لا يجزئه عن أحدهما؛ لأنه لم يرتب.
وهكذا إذا ترك رمي اليومين الأولين إلى الثالث.. فالحكم فيه: ما ذكرناه إذا ترك رمي اليوم الأول إلى اليوم الثاني.
وإذا أراد أن يرمي رمي يوم النفر الأول في يوم القر.. فهل يجوز؟
قال المسعودي [في "الإبانة" ق\209إن قلنا: إنه إذا فاته رمي يوم يقضيه فيما بعده.. فهل يجوز له تعجيل رمي يوم النفر إلى يوم القر؟ فيه وجهان، بناء على أنه إذا رمى الفائت في اليوم الأول في اليوم الثاني.. هل يكون قضاء أو أداء؟ فيه وجهان:
فإن قلنا: إنه أداء.. جاز له التعجيل، وكان رمي الأيام الثلاثة كلها عبادة واحدة، فيكون كالرمي في أول الوقت.
وإن قلنا: إنه قضاء.. فلا يجوز له التعجيل: لأن القضاء يكون بعد الفوات ولم يفته الرمي بعد.
وإن قلنا: إن رمي كل يوم محدود بيومه فترك رمي اليوم الأول إلى الثاني، أوالثاني إلى الثالث.. ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يرمي في اليوم الثاني ما ترك في الأول ويريق دما، كما إذا أخر قضاء رمضان حتى دخل شهر رمضان آخر.
والثاني: لا يقضيه، ويريق دما، كرمي اليوم الثالث.
والثالث: يقضيه، ولا دم عليه، كرعاء الإبل.
فعلى هذا: إذا رمى عن اليوم الثاني قبل الأول.. جاز: لأنه قضاء، فلا يجب فيه الترتيب، كالصلوات الفائتة. وإن رمى كل جمرة بأربع عشرة حصاة: سبع عن أمسه، وسبع عن يومه.. أجزأه.
وأما إذا ترك رمي يوم النحر.. ففيه طريقان:
الأول: من أصحابنا من قال: هو كما لو ترك رمي اليوم الأول من أيام التشريق إلى الثاني، فيكون على قولين.
والثاني: منهم من قال: يفوت بخروج يومه قولا واحدا؛ لأنه يخالف رمي أيام التشريق في الوقت والعدد.
والطريق الأول أصح؛ لأن الشافعي نص على أنه: (إذا فاته رمي يوم النحر حتى غربت الشمس.. كان له أن يرميه في أيام التشريق).

.[فرع: ما يجب بترك الرمي]

ومن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم.. لزمه دم؛ لقوله ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من ترك نسكا... فعليه دم»..
وإن ترك ثلاث حصيات من الجمرة الأخيرة.... لزمه دم؛ لأن ذلك جمع مطلق هذا هو المشهور.
وحكى المسعودي [في "الإبانة" ق\210] قولا آخر: أنه لا يجب الدم إلا إذا ترك جمرة العقبة أو إحدى الجمرتين الأوليين.
وإن ترك حصاة واحدة.. ففيه ثلاثة أقوال، كما لو حلق شعرة. وهذا إنما يتصور إذا ترك حصاة من آخر جمرة من الجمرات؛ لأنه إذا تركها من الأولى أو من الثانية... لم يعتد له برمي ما بعدها، حتى يكمل ما قبلها.
وإن ترك رمي أيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه... لزمه ثلاثة دماء. وإن قلنا: إنها كاليوم الواحد.. لزمه دم واحد.
وإن ترك رمي يوم النحر وأيام التشريق، فإن قلنا: إن رمي كل يوم مؤقت بيومه لزمه أربعة دماء. وإن قلنا: إن أيام التشريق كاليوم الواحد، فإن قلنا: إن يوم النحر كمثلها.. لزمه دم واحد. وإن قلنا: إنه ليس كمثلها.. لزمه دمان: دم ليوم النحر، ودم لأيام التشريق.

.[مسألة:الاستنابة في الرمي]

ومن عجز عن الرمي لمرض.. جاز له أن يستنيب من يرمي عنه بأجرة، أو بغير أجرة، سواء كان المرض ميئوسا من برئه، أو غير ميئوس من برئه. والفرق بينه وبين الحج، حيث قلنا: لا يجوز الاستنابة في الحج حتى ييأس من الحج بنفسه؛ لأن الحج فرض موسع الوقت، والرمي فرض مضيق الوقت، فلو منعناه من الاستنابة فيه.. ربما فات وقته قبل الرمي.
قال الشافعي: (فإن أمكنه أن يضع الحصاة في كف من يرمي عنه... أحببت له أن يفعل ذلك؛ ليكون له في الرمي أثر. فإن لم يفعل.. فلا شيء عليه).
قال الشيخ أبو حامد: فإن كان محبوسا بحق أو بغير حق، لكنه منع من الرمي.. جاز له أن يأمر غيره أن يرمي عنه؛ لأنه غير متمكن من الرمي بنفسه، فهو كالمريض.
وإن أغمى عليه قبل الرمي، فإن كان قد أذن لغيره بالرمي عنه.. جاز له أن يرمي عنه، وإن كان لم يأذن لغيره في ذلك.. لم يجز أن يرمي عنه. ولا يبطل إذنه بالرمي بالإغماء، كما تبطل الوكالة بالبيع والشراء؛ لأن هذا متعلق بالنسك، وذلك لا يبطل بالإغماء. ألا ترى أن المعضوب إذا أذن في الحج، ثم مات.. لم يبطل إذنه بالموت، ولو أذن له في بيع أو شراء، ثم مات.. بطل إذنه في ذلك.
فإن برئ من المرض، أو أطلق من الحبس، أو أفاق من الإغماء، فإن كان لم يرم عنه النائب.. وجب عليه أن يرمي بنفسه؛ لأن المانع قد زال. وإن كان قد رمى عنه.. فالمستحب له: أن يعيد الرمي إن كان وقت الرمي باقيا، ولا يجب عليه ذلك؛ لأن الرمي الفرض قد سقط عنه.
هذا نقل البغداديين من أصحابنا، وحكى المسعودي [في "الإبانة" ق \ 210] في وجوب إعادة الرمي قولين.